القاضي النعمان المغربي

190

المجالس والمسايرات

فتبسّم المعزّ عليه السلام عند ذكر ذلك وقال : هذا ممّا قيل في الأخبار عن بعض الملوك أنّ اختلاطا أصاب النّاس في زمانه ، وسلم هو منه لأمر تحفّظ له . فلمّا رأوه قد خالف معناهم قالوا : قد اختبل الملك ، وهمّوا أن يخلعوه ، فاتّصل به ذلك ، فتناول ما كان تحفّظ منه حتّى دخل عليه ما دخل عليهم فقالوا : قد صحّ . وصبر على ذلك حتى زال عنه بزواله عنهم . فكذلك هذا الجاهل الركيك ، لمّا قصر عقله عن عقول ذوي العقول رماهم بالجهل فلم ير الجاهل أئمّته الذين هم فيما يزعمون فقهاء أهل بلده ، وإنّما أخذوا علمهم أكثره عمّن كان بإفريقيّة / ، وكتبهم إلى اليوم في أيديهم . وكلّ من طرأ منهم يأخذ عنهم حتّى إنّهم ليأخذون عمّن لا يؤبه إليه منهم « 1 » . والجهل إذا نعت ، والحمق إذا وصف ، والرّقاعة إذا نزلت ، فإنّما يضاف ذلك إلى أهل الأندلس أشبه الناس طباعا وأخلاقا وزيّا ومنظرا وهمّا بأهل بوادي الرّوم ، وهم منهم . وقد رأيت كثيرا ممّن ألّف الكتب في البلدان وذكر أحوال أهلها : فكلّ قد أجمعوا على أنّ الذّكاء والفطنة والعلم والرّقّة في أهل العراق ، ثمّ بعدهم في أهل إفريقيّة ، وذكروا سائر البلدان وما ذكروا الأندلس في الذاكرين . ولولا سخف عقولهم وغلظ / طباعهم وأذهانهم لما أقرّوا لمن طرأ إليهم ممّن فرّ من بني أميّة . ولو وجد في الأرض أجهل منهم لقصد إليهم دونهم . فأمّا ما ذكره من البربر فلولا من ينزع « 2 » إلى ناحيت [ ه ] منهم رغبة في جهاد المشركين وذبّهم عنه « 3 » لما قرّ « 4 » به قراره ولا اطمأنّت به داره « 5 » . وفي الفصل العاشر : ( قال ) وكان في فصل من فصول هذا الكتاب أنّه ترك أهل المذاهب وما اختاروه لأنفسهم ولم يعرض لأحد منهم ، فنزع أكثر الناس إليه وسكنوا بلده لذلك .

--> ( 1 ) النعمان - أو المعز - لا يسعه إلا أن يطري علماء إفريقية ، وهم سنيون ، فيطريهم بمقدار . ( 2 ) في الأصل : فلو ما ينتزع . . . ( 3 ) أي عن الناصر الأموي . ( 4 ) في الأصل : أقر به قراره . . . ( 5 ) فالفضل في وجود الدولة الأموية يرجع إذن إلى البربر .